الحلبي

187

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

تحقب : أي تردف خلفك من بنات بني الأصفر ، فقال ما تقدم » وعند ذلك لامه ولده عبد اللّه رضي اللّه عنه وقال له : واللّه ما يمنعك إلا النفاق ، وسينزل اللّه فيك قرآنا فأخذ نعله وضرب به وجه ولده ، فلما نزلت الآية قال له : ألم أقل لك ؟ فقال له : اسكت يا لكع ، فو اللّه لأنت أشد عليّ من محمد . وفي رواية أن الجد بن قيس لما امتنع واعتذر بما تقدّم قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ولكن أعينك بمالي ، فأنزل اللّه تعالى : قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [ التّوبة : الآية 53 ] وتقدّم أنه لم يبايع بيعة الرضوان ، وتقدم أنه تاب من النفاق وحسنت توبته ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم قال لبني ساعدة : « من سيدكم ؟ فقالوا : الجد بن قيس على بخل فيه ، فقال : وأي داء أدوأ من البخل ؟ قالوا : يا رسول اللّه من سيدنا ؟ فقال : بشر بن البراء بن معرور » . وفي رواية : « سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح » وذكر ابن عبد البر أن النفس أميل إلى الأوّل ومات الجد بن قيس في خلافة عثمان رضي اللّه عنه ، وقال بعض المنافقين لبعض : لا تنفروا في الحرّ فأنزل اللّه تعالى : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [ التّوبة : الآية 81 ] أي يعلمون وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ [ التّوبة : الآية 90 ] أي وهم الضعفاء والمقلون مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ [ التّوبة : الآية 90 ] في التخلف فأذن لهم ، وكانوا اثنين وثمانين رجلا وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة جراءة على اللّه ورسوله ، وقد عناهم اللّه تعالى بقوله : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ التّوبة : الآية 90 ] . قال السهيلي : وأهل التفسير يقولون إن آخر براءة نزل قبل أولها ، وإن أوّل ما نزل منها : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [ التّوبة : الآية 90 ] قيل معناه شبابا وشيوخا ، وقيل أغنياء وفقراء ، وقيل أصحاب شغل وغير ذي شغل وقيل ركبانا ورجالة ، ثم نزل أولها في نبذ كل ذي عهد إلى صاحبة كما تقدّم . وتخلف جمع من المسلمين منهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع من غير عذر ، وكانوا ممن لا يتهم في إسلامه . ولما خلف صلى اللّه عليه وسلم عليا كرّم اللّه وجهه أرجف به المنافقون ، وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له ، وحين قيل فيه ذلك أخذ علي كرّم اللّه وجهه سلاحه ، ثم خرج حتى لحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو نازل بالجرف فقال : يا نبي اللّه زعم المنافقون أنك ما خلفتني إلا استثقلتني وتخففت مني ، فقال : « كذبوا ، ولكنني خلفتك لما تركت ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » أي فإن موسى عليه السلام حين توجه إلى ميقات ربه استخلف هارون عليه السلام في قومه ، فرجع عليّ إلى المدينة . وعن علي كرّم اللّه وجهه قال : « خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة وخلف جعفرا في أهله ، فقال جعفر : واللّه لا أتخلف عنك ، فخلفني ، فقلت : يا رسول اللّه أتخلفني